Biography
Policies
Institutions
The Assassination
10 November 1947 : Cheikh Bashir's Birthday Memorial Print E-mail

10 تشرين الثاني: تاريخ للتاريخ

في العاشر من تشرين الثاني من كل عام، يتذكر اللبنانيون وخاصة الشباب والطلاب منهم، وهذه مفارقة، عيد مولد من بقي لهم عربون فداء وعطاء وتضحية ورجولة وقيادة وطنية. البطل لم يمت.

القائد لم يغب. ورغم مرور 26 سنة على استشهاد بشير الجميّل، وهنا الغرابة، بقي اسمه يومياً على كل شّفة ولسان، في الحدث السياسي كما في الحدث الوطني.
ورغم أن الشيخ بشير الجميّل الرئيس المنتخب لم يتسلم الحكم بعد انتخابه الذي استمر واحد وعشرين يوماً، لكنه طبع الواقع اللبناني والشعبي منذ 1982 وحتى اليوم بذكريات وكلمات ومواقف لم يتمكن اللبنانيون حتى الآن من نسيانها، بل بالعكس، يعودون اليها عند كل أزمة وطنية تعصف بلبنان.

ويرددون: بشير قال كذا، وفي قضية المهجرين قال كذا، وفي موضوع السيادة رددّ كذا، وفي العلاقات العربية شددّ على كذا، وفي التوطين والاحتلال السوري قال ما لم يجرؤ الآخرون قوله....

وهكذا يردد اللبنانيون كلماته وخطبه ومواقفه وتصريحاته كأنها " إنجيل " وطني توارثوه من جيل الى جيل، حتى أن بعض شعاراته التي أطلقها منذ ثلاثين سنة عادت الى الواجهة السياسية الحالية، وكأن الزمن قد توّقف يومها.

أمر غريب ومُستغرب . لقد مرّ على لبنان خلال الستين سنة الماضية، رجالات وزعماء كبار ساهموا في انجاز الاستقلال، وتربّعوا على عرش السياسة اللبنانية لعقود طويلة، حرّكوا الجماهير، أسسوا الاحزاب، شاركوا في الحكم لسنوات.

ولكن، ما أن غابوا حتى راحت تغيب شيئاً فشيئاً ذكرياتهم ومواقفهم. أما بشير الجميّل، فلم يكن من هؤلاء. بقي بالبال والفكر والموقف الوطني، لأنه كان رؤيوياً، وكان من طينةٍ غير التي جُبل بها رجال السياسة لأنه كان يرفض أن يُصنّف من بين رجال السياسة. نظرته للأمور والأحداث كانت شمولية ووطنية، بعيدة كل البعد عن المواقف السياسية التي تُرضي الجماهير وتستدّر العطف والتأييد والتصفيق.

لم يقل مرةً ما يُرضي جمهوره لإكتساب التأييد، بل كان عندما يطلق موقفاُ بعد درس عميق، يعتمد على حسّه الوطني وشعوره بالمسؤولية في التفتيش عن مستقبل وطن حر، وشعب يستحق الحياة. عندما توّقع المسلمون وبعض المسيحيين عام 1981 في مهرجان "يوم الوعد" أن يُعلن بشير قيام دولة مسيحية أو دولة التقسيم، فوجئ اللبنانيون وخاصة المسلمين بصوته يعلو في أرجاء مجمّع فؤاد شهاب الرياضي أمام حشودٍ قلّ نظيرها ، يمدّ يده الى اخوانه في الوطنية والمواطنية ويدعو الزعماء المسلمين للتخلص من القمع الفلسطيني والاحتلال السوري للمنطقة الغربية(آنذاك) من أجل بناء وطن سيّد حرّ على الـ10452 كلم2، مؤكداً أنه مستعد للمشاركة بعملية تحرير "المنطقة الغربية" إذا قررّ المسلمون ذلك.

وما من أحد استمع الى خطابه الشهير في مبنى تلفيزيون لبنان ُبعَيد انتخابه، إلا وفوجئ بنمط ورؤية الرئيس المنتخب الجديد الذي أصلح الادارة بموقف واحد وهو لم يتسلم مقاليد الحكم بعد:التزم الموظفون بالحضور الى مكاتبهم، أُقفلت جوارير التشبيح والسمسرة، دبّ النشاط في أروقة السرايات من الناقورة مروراً ببعلبك وصولاً الى أقاصي الشمال. وأصبح الشرطي على الطريق، يتمرجل على أكبر شنب في الجمهورية اللبنانية.

لقد سألوا عنه. فقيل لهم انه رجل مستقيم، نظيف الكفّ، لايؤخذ بالتهويل، صديقه الصدق والشفافية والإقدام والمؤهلات والعدالة والحق والوطنية والعمل المسؤول، يريد أن يبني دولة المؤسسة لا أن يستمر بالمزرعة. مدّ يده لجميع اللبنانيين. بدأ باستعادة ثقة أشرس المعارضين لانتخابه، وزار النواب الذين لم يشاركوا في جلسة الانتخاب شاكراً لهم موقفهم وجرأتهم في التعبير الديمقراطي الحرّ والجريء.

وهذا ما قاله للنائب للدكتور ألبير مخيبر عندما زاره في منزله في بيت مري. كذلك فعل، عندما استقبل الزعيم الرئيس صائب سلام في جلسة تاريخية خرج منها الرجلان متفاهمين بعد جلسة واحدة. وقد دارت في جلسة المصارحة هذه أحاديث وشرح للمواقف قلما تحصل بين رئيس جمهورية منتخب في الثالثة والثلاثين وبين زعيم بيروتي ورئيس سابق للحكومة مقاطعاً لجلسة الانتخاب ومعارضٍ شرس لوصول بشير لسدة الرئاسة. ساعة واحدة من الصراحة والصدق والاحترام كانت كافية ليتفاهم الرجلان. بعدها قيل عن لسان صائب بك:"لقد بكينا عندما انتُخب بشير رئيساً، ولكن بكينا أكثر يوم استشهاده".

قبل انتخابه، كانت أكثرية الدول العربية معارضة لوصوله ، خاصة بعد إعلان الترشيح. لكنه فاجأ الجميع أيضاً باقتحامه الباب العربي في مدينة الطائف السعودية قبل انتخابه بأسابيع، حيث اجتمع مع عدد من وزراء الخارجية العرب لمدة ساعات، الذين استمعوا منه الى تصوّره لحلّ الأزمة اللبنانية وبرنامجه للحكم.

خرج من الاجتماع بمباركة وتأييد عربيين، وتعهد الوزراء الحاضرون السعي لدى بعض الدول " المعترضة" على انتخابه بنقل وجهة نظره والصورة الصحيحة عن الوضع القائم الجديد. آمن بشير الجميّل بلبنان وطن التفاعل المشترك وليس وطن التعايش، لأنه رفض التعايش مع الازمة السياسية والوطنية التي أدت يومها بلبنان الى حرب أهلية وتدخل أجنبي وعربي فيها.

كان مسيحياً مؤمناً، لا مسيحياً متعصّباً أو متزمّتاً. وما كلمته الأخيرة التي ألقاها ساعتين قبل استشهاده في دير الصليب في عيد ارتفاع الصليب، الا شهادة مسيحية إيمانية صرفة، تدعو الى التعالي عن الجراح ولكن تدعو أيضاً الى الايمان بالله والى حرّية المعتقد لكل مكونات الشعب اللبناني. بشير الجميّل بعد 26 سنة من استشهاده، تبقى شهادته للتاريخ ، ويبقى 10 تشرين الثاني عيد مولده تاريخ يذكره التاريخ.

في 10 تشرين الثاني 2008

جوزف توتونجي

 
< Prev   Next >
 

Bachir Gemayel Foundation 09 all rights reserved.